وصايا مستخلصة من هذه الآيات
إن أهمية الوصايا تكمن في أهمية سبب النزول، إن هذا الحدث الذي اهتزت له المدينة والذي يتعلق مباشرة ببيت النبوة قد وجه الأنظار إلى أمر خطير إذا استشرى في المجتمع دمره وشل قواه، وبانتشاره يصبح المسلمون غرضًا سهلًا لأعدائهم، وكما ركز الدين الإسلامي على طُهر المجتمع وعفافه، وأن اختراقه من هذا الجانب مذلٌّ ومهين ومخالف لتعاليم الدين القويمة، فإن حمايته أيضًا تستوجب إحاطته بسياج قوي؛ كيلا يخترق، فإذا ما تآمر قوم على تشويه سمعة أحد المسلمين أو إحدى المسلمات وأشاعوا ما أرادوا من تهم، ثم ترك هذا الأمر بلا ضوابط، فإن البناء الإسلامي سينهار؛ ولذلك كانت الحماية على قدر عظم النتيجة، فجاءت هذه الآيات لتوقظ عقول المسلمين ولتضع حدًّا لمثل هذه التُّهم.
• سمى الله هذه الحادثة بالإفك، وهو قمة الكذب والفرية مع الظلم، وأسوأ أنواع الكذب الذي ينتج عنه تدمير المجتمعات.
• ذكر الذين أشاعوه بأنهم عصبة تكتلوا من أجل الكيد للمسلمين وهم المنافقون، ومع ذلك فلا تحسبوا أيها المسلمون أن في إشاعته قد انتصر الشر، وإنما في ذلك خير؛ من أجل أن تعرفوا مكائد الأعداء، ولكي تتنبهوا لها، كما أن هذه التهمة قد نزل بها تشريع يعرفكم كيفية التعامل مع مثل هذه التهم ضمن ضوابط ربانية.
• توعد أصحاب الإفك بالعذاب، كل على حسَب خوضه فيها، ورأس الفتنة الذي تولى إشاعتها سيناله قسط من العذاب الأليم.
• تنبيه المسلمين إلى كيفية التعامل مع هذه الإشاعات والتهم، وعدم الانسياق وراءها كأنها حقيقية، وعليكم أيها المسلمون دائمًا أن تظنوا بأنفسكم وبإخوانكم جميعًا الخير، وهو المقدم؛ لأن جانب الخير عند المسلم هو الأصل، والانحراف هو النادر، ولا ينبغي تقديم النادر على الأغلب الأعم، فإذا ما ظهر في المجتمع مثل هذه التهم لأي مسلم - والمسلمون جسد واحد - عليهم أن يقولوا: هذه فِرية وتهمة، فلا يخوضوا فيها، وكما يقال اليوم: المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
• ثم أتت القواعد التي تدين المتهم أو تبرئه، وأن مثل هذه الأمور الخطيرة - التي لها أثرها الخطير على سلامة المجتمع الإسلامي - لا تثبت إلا بأربعة شهود يشهدون على أنهم رأوا وقوع الزنا بين فلان وفلانة رؤية واضحة لا لبس فيها، فالتهمة بلا شهود تعد باطلة، وأصحابها كاذبون مفترون مؤاخَذون على أقوالهم.
• الأمر الذي تكلم به الناس عظيم خطره، وإن من رحمة الله وفضله على المسلمين أن رحمهم فلم ينزل بهذا الشأن غضبه وعذابه عليهم، وربما لأنها المرة الأولى التي يمرون فيها بهذه التجرِبة فلم تكن لديهم خبرة في التعامل معها كما ينبغي فأخطؤوا.
• بيان انتقال الإشاعة من لسان إلى لسان دون التثبت من صدق المصدر ومعرفته، وهذا الأمر خطير؛ لأنه يسهل غرض المغرضين، فلو كانت مثل هذه التهمة مؤكدة لما كان ينبغي إذاعتها، فكيف بها وهي باطلة؟ فالأَوْلى عدم نقل مثل هذه الأخبار، فلو أن كل واحد من المجتمع قد تكتم عليها ودفنها عنده لما وصلت إلى غيره، فلا تكونوا سبب نقل ما ليس لكم به علم أو تأكد من صحته، فبهذا تشاركون في الإثم المترتب على هذه التهمة.
• وكان عليكم أيها المسلمون عندما سمعتم بهذه الفرية التي تتهم زوج نبيكم ومثلكم الأعلى النقي الطاهر وقد عرفتموه بذلك، أن تقولوا: ﴿ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 16].
• وبعد هذه التجرِبة العملية التي مررتم بها إياكم أن تعودوا لتصديق الإشاعات والتهم الكاذبة التي تقضي على وحدة المسلمين وتماسكهم، فهذا درس بليغ عليكم الاستفادة منه، والعاقل من تحنكه التجارِب.
• وقد وردت في ثلاث آيات متتاليات عبارات: ﴿ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 14] و﴿ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 15] و﴿ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 16]، فلهذا دلالته على الحدث، والأهمية التي وصلت إلى منتهاها في فرية الإفك، فكانت تستحق العقاب العظيم؛ لأن جُرمها عند الله عظيم، ولأنها بهتان عظيم.
وبعد بيان تبرئة عائشة رضي الله عنها وبيان الموقف الذي كان يجب أن يكون عليه المسلمون، هدأ الخطاب قليلًا؛ لأنه أصبح يقعد لبناء خلق المسلم والتزامه بالأخوة الإسلامية، وأن المسلم يصون عرض إخوانه ويمنع أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، بل يغضب أشد الغضب إذا رأى منكرًا أو فاحشة قد انتشرت في مجتمعه أو بين إخوانه المؤمنين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 19 - 21]، وكان أبو بكر يُنعم على مسطح ويساعده ماديًّا، ولما خاض في حديث الإفك أقسم أبو بكر أن يقطع عنه المساعدة؛ لأنه لا يستحقها، فنزل قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22]، فتراجع أبو بكر رضي الله عنه عن قراره، وقال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، وأعاد إلى مسطح نفقته، ثم جاء التهديد القوي والقانون الرباني الذي سنَّه الله تعالى ليردع أولئك المفترين الذين يرمون المحصنات: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 23]، وهناك لا يستطيعون الإنكار مهما أقسموا، كما فعل ابن سلولَ، ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾ [النور: 24، 25]، ثم وضع الله مكانة الخبيثين والخبيثات وأنهم مناسبون بعضهم لبعض لصفات الخسة والوضاعة، ورفع الله تعالى مكانة المؤمنين والمؤمنات بأن بعضهم لبعض لصفات السمو الروحي والطهر والعفاف: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [النور: 26].