ليس هناك أعظم ولا أجل من نيل مـحبة الله -جل وعلا- وابتغاء رضاه، واجتناب سخطه، فعلى المؤمن أن يسعى لكسب مـحـبة ربه -عز وجل- فليست الغاية فقط أن تـحب الله، بل الغاية الكبـرى أن يـحبك الله، فعليك أن تسعى لاكتساب الصفات التي يـحبها الله، حتى تكون من الذين يـحبهم.
حب الله - عز وجل - أعظم مطلوب، وأهم غاية يسعى المؤمن لتحقيقها والسعادة بها في الدارين، فليس هناك مثل محبة الله - عز وجل - تصل بالمؤمن لكل خير، وتحجزه عن كل شر، فهي نعمة وأي نعمة، من حصلها فقد فاز فوزًا عظيمًا.
إن الله إذا أحبَّ عبدًا وفَّقه في الدنيا والآخرة، ولا تكون هذه المنزلة إلا بمعرفة ما يحبه الله عز وجل، فيقوم به الإنسان وما لا يحبه عز وجل، فيبتعد عنه، قال الإمام الشافعي:
تعصي الإله وأنت تُظْهِرُ حُبَّه
هذا محالٌ في القياس بديع
لو كان حُبُّك صادقًا لأطعته
إن المحبَّ لمن يحبُّ مطيع
في كل يوم يبتديك بنعمة
منه وأنت لشكر ذاك مضيِّع
فقد ثبت في القرآن أنه سبحانه وتعالى يحب التوَّابين، والمتطهرين، والمتقين، والمحسنين، والمقسطين، والمتوكلين، والصابرين، والذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص، والذين يتبعون الرسول، والأذلة على المؤمنين الأعِزَّة على الكافرين، قال الشاعر:
يا من يرى مد البعوض جناحها
في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرها
والمخ من تلك العظام النحَّل
ويرى خرير الدم في أوداجها
متنقلًا من مفصل في مفصل
ويرى مكان الوطء من أقدامها
في سيرها وحثيثها المستعجل
امنُن عليَّ بتوبةٍ تمحو بها
ما كان مني في الزمان الأوَّل
وفيما يأتي بعض الصفات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم بأن الله - عز وجل - يحب المُتَّصِفين بها، نسأل الله - عز وجل - أن يجعلنا منهم.
الإحسان لغة: إتقان الشيء وإتمامه، مأخوذ من الحسن، وهو الجمال، ضد القبح.
والإحسان ينقسم إلى أقسام:
أولًا: إحسان بين العبد وربه؛ وذلك بإتقان العبد للعمل الذي كلفه الله به، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
ثانيًا: إحسان بين العبد وبين الناس في سائر المعاملات، ومن ذلك: إحسان الصنعة وإتقانها، جاء عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه)).
• قال ابن رجب - رحمه الله -: وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.
• وقال طلق بن حبيب - رحمه الله -: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.
هم: أهل العدل الذين يعدلون في حكمهم وفي أهليهم وفيمن ولَّاهم الله عليهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42] يعني: يحب أهل العدل والاستقامة والإنصاف؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المقسطون على منابر من نور يوم القيامة، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)).
التواب: صيغة مبالغة من التوبة، وهو كثير الرجوع إلى الله، والتوبة هي الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته.
فهم الذين إذا فعلوا سيئةً أو فاحشةً أو ظلموا أنفسهم، ذكروا الله فندموا وتابوا وآمنوا ورجعوا إلى الله من قريب، واستغفروا لذنوبهم، ولم يستمروا على ما فعلوا من المعصية، وعزموا ألا يعودوا إليها أبدًا، وأتبعوا توبتهم بالأعمال الصالحة، ولو تكرَّر منهم الذنب تابوا منه، ومن تاب تاب الله عليه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
5 - المتطهرون:
"المتطهرون" ورد ذكرهم بحب الله لهم مرتين في القرآن الكريم:
الصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخُّط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن الإتيان بأي عمل ينافي الصبر.
وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على المصائب والنكبات.
وإذا ابتُليت بشدَّةٍ فاصبر لها
صبر الكرام فما يدوم مقامها
يا صاحبَ الهمِّ إن الهم منفرجٌ
أبشر بخير فإن الفارج الله
إذا بليت فثق بالله وارض به
إن الذي يكشف البلوى هو الله
والله ما لك غير الله من أحد
فحسبك الله، في كل لك الله
7 - المتوكلون:
"المتوكلون" ورد ذكرهم مرةً واحدةً في القرآن الكريم:
التوكُّل معناه: صدق اعتماد القلب على الله - عز وجل - في استجلاب المصالح ودفع المضار، من أمور الدنيا والآخرة كلها، وأن يكل العبد أموره كلها إلى الله - جل وعلا – ولا يتنافى مع بذل الأسباب.
فمَنْ توكَّل على الله كفاه، ومن توكَّل على غيـره خذله، ومن فضل التوكل أنه يكفي صاحبه هَمَّ الرزق؛ كما عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم توكلتم على الله حقَّ توكُّلِه، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا»؛ (رواه أحـمد وغيـره بسند صحيح).
وهم قوةٌ مؤمنةٌ متماسكةٌ صامدةٌ كالبُنْيان المرصوص، تؤدي رسالتها وتندفع بإقدام في سبيل إعلاء كلمة الله، صامدون أمام الزلازل والعواصف والمحن ليستحقوا نصر الله وتأييده، ومن ثم محبته، كما هو حال إخواننا في غزة، نسأل الله لهم النصر والتمكين.
قال -صلى الله عليه وسلم- مبينًا فضل من يـجاهدون في سبيل الله: "عينان لا تمسهما النار: عينٌ بَكَتْ من خشية الله، وعينٌ باتَتْ تحرس في سبيل الله"؛ (رواه التـرمذي بسند صحيح)، فالـجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام؛ فأهل الـجهاد الـحق يـحبهم الله.
قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]، فاتِّباع النبـي صلى الله عليه وسلم، هو مفتاح كل خيـر، وسبب الـهداية، قال الله تعالى: ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158]، ونـهى الله عن مشاققته- أي مـخالفته- فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 115]، وقال -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيح: «كل أُمَّتي يدخلون الجنة إلا من أبى»، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»؛ (رواه البخاري).
قال الشاعر:
يا خير من دُفِنَتْ بالقاعِ أعْظُمُه
فطاب من طيبهن القاعُ والأكمُ
نفسي الفداء لقَبْرٍ أنت ساكنُه
فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرمُ
أنت الشفيعُ الذي تُرجى شفاعتُه
على الصراط إذا ما زَلَّتِ القدمُ
وصاحباك فلا أنسهما أبدًا
مني السلام عليكم ما جرى القلم