الحمد الله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن بعض الناس قد يمنع عن نفسه فعل الخير، والإحسان إلى الغير، وذلك بأن يحلف بالله، أو بأي اسم من أسمائه أو أي صفة من صفاته بأن لا يفعل المعروف أو لا يصلح بين متخاصمين أو لا يصل رحمه لسبب من الأسباب، أو غير ذلك من وجوه البر وأنواع الخير.
والله -جل جلاله- قد بين في كتابه أنه لا يجوز أن نجعل أيماننا مانعة من فعل الطاعات والقربات، أو من الإحسان إلى ذوي القرابات، أو ما إلى ذلك من سائر الطاعات، ومن فعل شيئا من ذلك فعليه التراجع عن يمينه والتكفير عنه.
وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بذلك، فمن تلك النصوص ما جاء في قوله تعالى: {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} سورة البقرة(224-225).
شرح الآيتين:
المقصود من اليمين، والقسم تعظيم المقسم به، وتأكيد المقسم عليه، وكان الله –تعالى- قد أمر بحفظ الأيمان، وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء، ولكن الله –تعالى- استثنى من ذلك إذا كان البر باليمين، يتضمن ترك ما هو أحب إليه، فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة، أي: مانعة وحائلة عن أن يبروا: أن يفعلوا خيرا، أو يتقوا شرا، أو يصلحوا بين الناس، فمن حلف على ترك واجب وجب حنثه، وحرم إقامته على يمينه، ومن حلف على ترك مستحب، استحب له الحنث، ومن حلف على فعل محرم، وجب الحنث، أو على فعل مكروه استحب الحنث، وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث1.
ونظير هذه الآية قوله تعالى في حَلِف أبي بكر -رضي الله عنه- أن لا ينفق على مسطح لمّا قال في عائشة -رضي الله عنها- ما قال، قال سبحانه وتعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} سورة النور(22). وقوله صلى الله عليه وسلم: (والله لئن يَلِج أَحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفَّارته التي افترض الله عليه)2. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها)3. وقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسال الإمارة فإنَّك إن أُعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أُعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك)4. والأحاديث في هذه المسألة كثيرة.
وهذا هو الحق في هذه المسألة، خلافاً لمن قال: كفارتها تركها، متمسكاً بأحاديث وردت في ذلك، قال أبو داود: "والأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كلها: (فليكفر عن يمينه) وهي الصحاح"5.
والمراد باللغو في الآية أقوال أشهرها عند العلماء اثنان:
الأول: أن اللغو ما يجري على لسان الإنسان من غير قصد؛ كقوله: "لا والله" و "بلى والله".
القول الثاني: أن اللغو هو أن يحلف على ما يعتقده، فيظهر نفيه.
والقولان متقاربان، واللغو يشملهما؛ لأنه في الأول لم يقصد عقد اليمين أصلاً، وفي الثاني لم يقصد إلا الحقّ والصواب6.
ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين، فقال: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} أي لجميع الأصوات {عَلِيمٌ} بالمقاصد والنيات، ومنه سماعه لأقوال الحالفين، وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر، وفي ضمن ذلك التحذير من مجازاته، وأن أعمالكم ونياتكم، قد استقر علمها عنده7.